فيلم "يرقة": المرأة تحمل الشرانق في الماضي، والعناكب في الحاضر
23-03-26
حسام معروف
حسام معروف

 

تقدم المخرجتان اللبنانيتان، الأختان ميشيل ونويل كسرواني تجربة فنية تحمل الغرابة، من خلال الفكرة والمضمون، عبر تجسيدهما آلام المرأة العربية بين التاريخ والحاضر، عبر سياق من الحركة والسرد الإنساني من خلال الفيلم القصير "يرقة"، الفائز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي 2023.

الفيلم يقدم تجربة تسحب ذيولاً من الماضي، لتربطها بالواقع الذي تعيشه لبنان في واقعها المعاصر. إذ يعود إلى معاناة المرأة اللبنانية مع الاستغلال الاقتصادي، عبر استخدام جسدها لإنتاج الحرير، في جبل لبنان، في أوائل القرن التاسع عشر، في عهد الاحتلال الفرنسي.

حيث أن مصنعي الحرير وقتها وكانوا فرنسيين، قد اعتمدوا وضع يرقات الحرير بين أثداء النساء، فكانت هذه المنطقة بيئة مثالية لإكمال دورة حياة دودة القز، وتفتح الشرنقات.

قد يبدو في البداية أن المفهوم الذي تظهر به المرأة يعطي صورة جمالية، كان نقول أن جسد المرأة ينتج الحرير في كل الأوقات، لكن هذا لا يعطي الصورة الصحيحة، فكانت أثداء النساء بأشكالها، وأحجامها المختلفة، محطّ استغلال اقتصادي، وكانت تعملن كمصنع متنقل، لصناعة الحرير.

رمية النقود المعدنية

تبدأ حياكة الدراما عبر تمرير الصدفة، بلقاء الشابتين، السورية أسما (ماسة زاهر) واللبنانية سارة (نويل كسرواني) ويكون اللقاء في مكان آخر غير بلديهما، الذيْن يحملان قصصاً مختلفة تاريخية وثقافية، مثقلة بالمعاناة والآلام.

بدا الأمر كأن ترمي النقود المعدنية إلى الأرض، هنالك صوت لا يتوقف، وإطار لا يتوقف عن الدوران، واحتكاك يصنع المعنى، هكذا عملت فكرة الدراما في الفيلم، بالعودة للماضي في حياة كلتا الشابتين، ونسل الخيوط الجارحة منه، لتكتشف الشابتان بأن لديهما ماضٍ مشترك مع الألم.

وتعود الأصول التاريخية لقصة الفيلم، أن أصحاب مصانع الحرير الفرنسية صوّبوا هدفهم إلى منطقة بلاد الشام، بعدما أصيبت محاصيل النبات في أوروبا وقتها، بوباء قاتل.

وتحت بند الإغراءات المالية، كان على المزارعين في بلاد الشام، أن يغيروا خط إنتاجهم، للحصول على مال أكبر.

تربية الشرنقة

وخلال هذه الحقبة، تم استغلال جسد النساء بطريقة غير تقليدية، بأن شرنقة الدّود تتفتح لتنتج الحرير بين أثداء النساء، والخيط المشترك الذي قامت عليه فكرة الفيلم درامياً، أن جدّتيْ أسما وسارة، كانتا من ضمن المستغلّات في هذا العمل.

الفكرة التي تعود جذورها لعصر الإمبراطورية اليابانية في القرن الخامس الميلادي، حيث تم اعتماد ثدي المرأة لتربية شرنقات الدّود، وإنتاج الحرير من خلالها.

نفس الصورة

إن المساحة التي يعمل من خلالها السيناريو، قد تبدو أنها تحمل الألم في الماضي، لكن الأمر يمتد إلى جزئيات أكثر عمقاً وتأثيراً في الذهن المعاصر، فالصورة تكاد تكون ظاهرة بنفس الكادر، مع تغيير محدود لبعض التفاصيل، لكن العنوان الرئيسي ينصبُّ على الألم.

فالمشاعر الحزينة داخل الفيلم، تستند إلى الواقع الذي تعيشه المرأة اللبنانية مع معطيات الواقع المعاصر، مع بقاء الوضع الاقتصادي في لبنان في زاوية المرار، وحاجة الكثير من العائلات اللبنانية للهجرة إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية، للحصول على حياة أفضل.

 

قلق

والحديث خلال السيناريو يعزز فكرة القلق، الذي حملته المرأة بين ثدييها في الماضي، من أجل حياة أفضل، لكن هو ذاته القلق يتحقق في الحياة المعاصرة، من خلال اجتثاث الذاكرة والوعي من المكان الذي عاش فيه الإنسان، والزّج به لبيئة مغايرة، يبدو أنه، من المُعقّد، أن ينجح بالبقاء فيها، دون ذات القلق.

لكن من الواضح أن الربط بين الماضي والحاضر، وفق رؤية الأختين، يحمل صوت المرأة بين الماضي والحاضر، ويتناول الجرح الأنثوي بطريقة غريبة في الطرح، بهدف الإضاءة على أن المرأة إن كانت حملت الشرانق في الماضي، فإنها تحمل العناكب في الحاضر، وهي في مأزق أكبر خطورة مع الحياة.

ركض

في أحد المشاهد تركض أسما خلف مجموعة من الشباب، انسحبوا من المكان دون دفع ثمن الطلبات، في المطعم، حيث تعمل الشابتان.

في هذا الركض، رسالة قوة للمرأة تضعها الأختان كسرواني، حيث أن هذه الملاحقة، وهذا اللهاث، يحملان رسالة للعالم، رسالة بهدف كسر الشك في قدرة المرأة، فكانت رسالة الفيلم في هذا المشهد: المرأة قدارة على الركض والمطاردة، المرأة تصنع نجاحاً ينفيه عنها الآخرون.

ويمكن قراءة جانب آخر يحتويه المشهد، إذ أن الرجال في طريقة تعاملهم مع المرأة، يضعونها دوماً على المحك، فتكون في معظم الأحيان تحت اختبار صعب، عليها أن تتخطاه لتثبت أنها ناجحة، وكانت فكرة هرب الشبان، اختبار قصير لقدرة الفتاتين على التعامل مع السرقة العلنية، لذا كان على المرأة الركض، وكأن الاختبار يتكرر، باقتصاص قطعة من الماضي، وعلى المرأة أن تنتج الحرير في هذا المشهد أيضاً.

إنسانية مفرطة

ويتخفف الفيلم من فكرة الألم قليلاً في خاتمة السناريو عبر الدعوة إلى اقتسامه مع الآخرين.

فهنالك إنسانية مفرطة داخل النص، والحوارات، والمشاهد، وتتضح من شمولية العرض، بأن هنالك ألم كبير محمول في الصدر، وهذا الألم لا يمكن تخفيفه إلا بالصداقات، كما أورد السيناريو: "الصداقات تنقذ الروح".

وإن دمج فكرة الهجرة وآلامها مع فكرة وضع اليرقة في ثدي المرأة، تحمل رمزية الولادة الجديدة التي تنعكس على صورة الإنسان بمجرد الغربة، ويتحول كأنه يرقة في مكان غريب، بانتظار التفتح أو المزيد من الانكماش في غربته.

حركة مستمرة

وما يمكن ملاحظته، استمرار أدوات الحركة داخل المشاهد، وفي ذلك ما يدعم فكرة الفيلم، فلا شيء قائم على السكون في الهجرة، ولا شيء قائم على السكون في أن توضع اليرقة في صدر المرأة فيتحول لمصنع للحرير.

فكانت الكاميرات دائمة الحركة حول الشخصيات، تتناول الشخصية من زوايا مختلفة، وتعكس كذلك الملاحقة المستمرة لمشاهد الذاكرة وسردها، من خلال الفتاتين.

وكانت الموسيقى من قبل زيد حمدان ولين أديب، إحدى الأدوات المؤثرة في صناعة الدراما السينمائية على مدار 30 دقيقة، وكأن الموسيقى جاءت الشخصية الثالثة المؤثرة خلال الطرح.