في أعمال شوقي يوسف وتجريده
24-01-11
علي هاني شمس الدين

 

أعمال الفنان شوقي يوسف تدفعني للكتابة عنها بكلّيتِها ودون ان أُعاينها كمجموعات مُنَسّقَة في سياقات المعارض الفنية كما هي العادة. وهو دافِعٌ يتشكل من أحاسيس وانطباعات تفاعلية تقنية يتيحها الفيسبوك. واحسب ان هذا النوع من التفاعل مع العمل الفني يضع الكتابة عنه، من خارج مساحة العرض المخصصة والسُلطة التي يفرضها المكان والمناسبة ودينامية العرض واحتفاليته، في علاقة متوترة مع آنية اللحظة وعسف شبكات التواصل وفداحة الادائية المترتبة على الاستخدام. غير ان لهذه الإتاحة حسناتها، على الأقل بالنسبة لمن يقيم بعيدا عن صالات العرض ومُحتَرف شوقي في لبنان.

فتلقُّف صور الأعمال التي يشاركها شوقي يوسف عبر حسابه على فيسبوك تمُرُ كعِبارات بصرية مركبة عن الأثر. عِبارات تحمل إشارات عن الانقضاء ودعوة إلى تقفّي تحوله، يمتثل النظر فيه إلى قَدَرِ الزوال في عبور بين عدّة مستويات من التآلف يضعنا امام وضوح قاس في خرائط البناء المتشابكة. خرائط وتشكيلات وكُتل تتيح للعين التمعن في افتعالات الزمن عبرعملية عرض صامت متعدد الأبعاد ولكنه يشير إلى الانقضاء. ظهور يشبه لوهلة ما تُفصِحُهُ الأشعة السينية عن الجسد.

غير أن صور وأعمال شوقي أكانت تجريدا أو تصويرا تذهب أبعد من هذا. فمنطلق الأعمال يبدو كنوع من الجلوس فوق مجرى الزمن وتشريحه، وهو بهذا عنف يُقَرِّرُ فيه الفنان أن يشكِّلَ تكَدُّس السياقات في لحظة الانقضاء. وهو يحاول إظهار هذه اللحظة  تارة عبر كثافة المادة وغِناها والخطابات المتنوعة التي تقترحها في العمل، وتارة أخرى عبر تضعضع الاتجاهات والتضاريس وامتزاج الاخلاط. وحينا آخر يرتئي شوقي أن يُدخل الخطوط وتوترها كانه يتدلّى عبرها إلى لحظة ما قبل الحدث ليعيننا على الاستدلال إلى طيف ما كان أو يأخذنا خُلسةً إلى ما صار في اهتراءات وانفلاشات وارتجافات.

وهذا كله يُحيل اللحظة التي يحاول التقاطها في أعماله إلى لحظة لا إسم لها، لحظة من الصعب الوقوف فيها على مُسمى. صعوبة تتأتى من الرعب الذي يُظَهِّره الزمن في العمل. هذا لان تلك اللحظة تحمل معها صدماتها فلا يعود بمستطاع العين التقاط نقطة انجازٍ لتعريفها. فداحة ما لا يوصف. وهو بهذه الأعمال على تنوع موادها بقديمها اوجديدها يبدو كأنه يحيل اللحظة إلى زمن غريب عن لحظة الوعي، وهي لحظة تبدو غير قادرة أن تكون عنصر تركيب للزمن لدراسته والوقوف عليه.

وقد يكون شوقي أراد بهذا أن يأسر الوعي في تلك اللحظة ليفككه ويُعطله او يضعه في موضع العاجز عن تأليف حيز متماسك للتعريف، أو ربما ليدفع الوعي إلى لحظة لاتوازن تُجهض أي تموضع يُفضي إلى تركيب ما، فتظهر الآثار كونية، تسبح في لحظة الانقضاء الممتدة في نسيج العمل ومساماته. وفي هذه اللعبة ينحو العملُ  الى تلافي مأزق الراهنية التامة و يقفز خارجها ليؤشر أن ما في المادة واختلاطها والخطوط واهتزازاتها ليس مُجَرَّد ظهورٍ ظرفي أو حدث ما، بل هو آثار تتسع كل يوم، وتظهر تباعا في مساحة العمل.

في هذا التشكل تظهر صدمة أخرى على نفس القدر من الفداحة، وهي السؤال الذي يلي ملاحظة الأثر. وهو ليس فقط سؤال يتوقف عن ما اذا كان هذا الأثر هو لفعل قد حدث فعلا أو يحصل الآن، بل يتعدى هاتين اللحظتين الى علامات استفهام كثيرة تُخلخل تماسك المنطق لتُوَلِّد سؤالاً أكثر حَرَجا عن ماذا يأتي بعد كل هذا، ولكن دون إمكانية التوقف بما يكفي لإحصاء ما حدث ويحدث. في وضع الآثار هذه خارج إمكانية التوقف ومن ثم في مسارات الاستفهام تظهر خرائطنا الحية، خرائط أعطابنا، وأعطاب أماكننا، وحيواتنا وأجسامنا وعزلاتنا وهويتنا، وهذا الانقضاء الفادح في عمل شوقي، يبدو لي جغرافيا حسية متمددة لما تعيشه منطقتنا اليوم.