سأدعو الجميع إلى حفل الموت الكبير | قصائد لزكريا محمّد
23-11-01
جزء من عمل لهاني زعرب

 

باكراً نوّر العيصلان. وفى بوعده قبل موعده. نوّرت عصا الخريف.

ازرعوا في الطريق نخلة، وفي الحوض بقلة. فالموت سلالة ضعيفة. الموت خرافة.

أنا في البستان والنخلة عَمّتي. أنا على حصاني، والشمس عِمّتي.

ولا تقولوا لي أن الخريف يولد أعمى. الخريف يبصر بعينين من ياسمين أزرق.

واسمعوا الخبرية الأخرى: حين يتأخر الخريف أحلّ أنا محله. فأنا كاهنه. أنا نافخ بوقه. بخاتمه أختم قطن الغيمة وصوت اليمامة والزوبعة.

أعدكم بأن تشرين سيغسل بالمطر غرركم، وأنه سيمسح بكفه ذِلّتكم.

نوّر العيصلان. نوّر الماء. نوّرت شفتاي.

الليلة تُعطى للحبيب عصمته، وللعابد الحزين كعبته.

17-8-2015

•••

تساقطت زهور شجرة الجكرندا الزرقاء عى كتفي وعلى الطاولة أمامي. ولم أكن أفعل شيئا. كنت أنظر لأغصانها وهي تسقط مطرها فوقى، وأنظر للسماء من فرجات أغصانها.

وفكرت أن على هذا المشهد أن يكون المشهد الأخير في فيلم حياتي. تعال يا عمارة، يا أخي، صوّرني هنا تحت الجكرندا. وليكن الفيديو دقيقة واحدة. دقيقة واحدة فقط. ثم احفر لي بعد ذلك بيدك قبري.

لكن أريدك أن تضمن لي أن هذا الفيديو سيعرض على الشاشة بلا توقف. ينتهي ليبدأ من جديد، ثم ينتهي ليبدأ من جديد، هكذا إلى الأبد. فهذا هو الخلود الذي أردته يا عمارة. جسدي سيتحلل في التراب، لكن روحي ستتفتح كل يوم، وإلى الأبد، في الفيديو تحت شجرة الجكرندا.

ولا تحزن يا عمارة، لا تحزن. فمن الممكن أن يأتي يوم أعود فيه. من يدري؟ طائري في عنقي، وهو سيدلني على الحديقة وعلى شجرة الجكرندا.

سيدلني عليك أيضا يا عمارة يا أخي.

13-5-2019

•••

تفرد طيور النُّحَام أجنحتها فيصير كل طائر منها صليبا يعبر السماء.

يقال أنها ترحل رحلة الشتاء والصيف. لكن هناك من يقول إنها تلعب بين القطبين المغناطيسيين للأرض: قطب الشمال وقطب الجنوب. أنا لا أرى هذا. فطيور النحام تشرح في الحقيقة درسا على لوح السماء فوق رؤوسنا. الأرض مدرسة كبيرة، والسماء لوحُ صفٍّ أزرق، وطيور النُّحام تشرح الدرس. تخبرنا كيف تصير الوردة صليبا، وكيف يصير الجزء الذي لا يتجزأ طائرا.

عين النُّحام مستديرة كأن طلقة هي التي ثقبتها. وهي ترى حين تريد أن ترى. ورغم أن منقاره طويل فهو لم يعتد الصراخ مثل الغربان: غاق، غاق. الصراخ ليس من شيمه. لذا فهو حين يشرح لك مسألة يشرحها بجسده. مثلا: يهبط على صخرة فيأخذ شكل علامة استفهام. يميل على جناحه الأيمن فيجرح قلب السماء. يميل على الأيسر فيكسر بضربة واحدة سبعة أقفال.

إن كنت تريد أن تتعلم فليس في الكتاتيب كلها شيخ مثل النُّحَام.

إن كنت تريد مسيحا مصلوبا فليس هناك غير النُّحام.

12-7-2019

•••

 

كتب لي حذيفة سطرين على الإنبوكس. لكنني لم أجبه.
قال إنه يحلم بأمه كثيرا هذه الأيام، وأنه يذهب لقبرها بعد كل منام. أفهم هذا يا حذيفة، فالزمن خيط في أصبع الأم، والليل مشط كبير في كفها. وبما أننا الآن بلا أمهات فنحن نقطع الطرق بالحواجز مثل الجيش الإسرائيلي. نقطع طريق الماضي وطريق المستقبل.
اذهب إلى قبر أمك في النهار، وإلى الكوابيس في الليل يا حذيفة. ولا تسألني شيئا. فليس لدي إجابة على أي سؤال. وأنا لا أعرف حتى عدد أرجل البعوضة.
لقد أحببت بعض الناس، وكنت أنت واحدا منهم. لكن هذا لا يعطيك الحق في أن تكدّرني.
الليل مشط كبير، والشمس زهرة لُبّيد. وقد كان أفضل لي لو أنني لم آت إلى هنا أصلا.
تعرف يا حذيفة أنني أكتب أحيانا لأنه عيب على الكاتب أن يمضي شهرا بلا كتابة. وتعرف أنني أكتب في أحيان أخرى حين ينقطع المطر. الكتابة حجة يا حذيفة. الكتابة صلاة استسقاء.
أعرف أنك تنتظر جوابي على الإنبوكس. لكنني لن أرد عليك. سأتركك تنطفئ وحدك مثل سراج نفد زيته. فأنا لا أرد على أحد بعد الساعة التاسعة ليلا. ففي هذه الساعة أسحب البطانية بأسناني وأغطي بها رأسي، وأنام.
وتدري ما هو النوم يا حذيفة؟ النوم ذئب قيّوط. وأنا أنام كي يأكلني القيّوط.
لكن يميناً لأكتبن غدا، أو بعد غد، مقطوعة تجعل أمك وأمي تنهضان من قبريهما، وتأتيان ماشيتين عبر الحقول قبل الساعة التاسعة.

4-1-2021

•••

أدخل إلى حوائط أصدقائي الموتى صباحا، فلا أجد بوستات جديدة. لقد توقفوا عن الكتابة. كما توقف الجميع عن المرور على حوائطهم.
الفارق بين الحياة والموت هو البوستات.
لذا لن أترك حائطي فارغا عند موتي. سأكتب بوستات احتياطية تكفي لثلاثين عاما أخرى على الأقل.
وسأكتري أحدا كي يرمي على حائطي بوستا أو اثنين كل صباح. فأنا لا أثق بالأبناء بهذا الخصوص. الأجراء خير من الأبناء. وسيظل حائطي منيرا مثل شرفة تطلّ على نجمة القطب.
وهناك من يسألني:

- لكن ما الذي يفعله الموتى إذا كانوا لا يكتبون بوستات صباحية أو مسائية؟
* يأكلون لهب الشموع يا صديقي. يفطرون على الشموع ويتعشّون عليها. مثلا: صديقي سمير سلامة تعشّى أمس خمس شمعات. التهم لهبها كما لو أنه عظّاءة. أما صديقي رسمي أبو علي فقد أكل الضوء الفسفوري لخمسين يراعة. كان جوعانا بردانا. فهناك فصل واحد في الموت: الشتاء. وهي تمطر وتمطر. المطر يرنّخ كل شيء: الوسادة واللحاف والكوفية والجراب. وفي السماء نجوم قليلة جدا. هناك على الأخص شمعدان كوكبة الثريا. لكن الموتى يصعدون السلالم كل ليلة إليه، ويلتهمون شمعاته السبع النوّاسات.

أدخل إلى حوائط الموتى، فلا أجد أحدا مرّ عليها. ذهب الجميع إلى شؤونهم. ولم يبق إلا الصمت يمسح الزجاج بورق الجرائد القديمة، وإلا الريح تجمع بمقشتها أوراق التين اليابسة.
لا أثق بالأبناء. لا أثق بالجينات. وعند موتي سأكتري عاملا ينشر بوستاتي على حائطي. وستكون هناك قلوب حمراء على كل بوست.

ولن أكون عظاءة تأكل الشموع ولهبها أبدا.

29-7-2020

•••

 

لدي أربعون صديقا ميتا في قائمة أصدقائي في الفيسبوك. ويستحيل عليّ أن أحذف أيا منهم كي أضيف مكانه صديقا جديدا من الأحياء. فمن العار حذف أحد من قائمة الصداقة لأنه مات. فليس الموت ذنبا كافيا لإلغاء الصداقة. لذا سيظل أصدقائي الموتى في قائمتي.

لكن هذا يعني أن أعداد الموتى ستتضاعف بالتدريج في قائمتي. فهناك من الأصدقاء من سيمزّقهم ذئب الموت بين الحين والحين.

لذا فكرت في أن أنشئ حسابا آخر، وأن أقسم حسابيّ الاثنين بين الموتى والأحياء. في النهار أذهب لحساب الأحياء وأقرأ بوستاتهم، وفي الليل أذهب لحساب الموتى وأقرأ بوستاتهم.
حين تطلع نجمة الصباح أنصت لكلمات الأحياء إخوتي، وحين تطرف بعينها نجمة المساء أنصت لإخوتي الموتى.

سيكون بيتي على الحدود. في المنطقة الحرام بين أرض الموتى وأرض الأحياء.
هكذا تقتضي الصداقة مني.

12-10-2021

•••

 

مرة عبرتُ حقل الشوفان البرّي والعيدان تتصايح حولي. كنت أبحث عن زر قميص مريم الذي سقط من غير أن تدري.

الحقيقة مولود بلا اسم، لذا فكرت في أن أعطيها اسمي. كما أن الزهرة بلا أب لذا طوّبتها ابنة لي. فأنا كريم حد الموت. كريم حد أن الحجر ذاته يخجل من وجودي. فاذكري هذا جيدا يا مريم.

في الصباح أكون قادرا على ابتلاع الكون كله. وفي المساء يستطيع (أبو بريص) على الجدار أن يمد لسانه ويبتلعني. فاذكري هذا يا مريم أيضا، فأنا أذكر زر قميصك، وأذكر عيدان الشوفان البري وهي تتصايح عند خصرك.
لماذا خلق الله السموات والأرض هكذا يا مريم؟
لماذا جعل الموت أجمل طفل فيها؟

أنت عود شوفان يا رب، ومريم قبيلة سكوت ونسيان. وهي قد أقفلت بسبابتها فمي، فلم أعد قادرا حتى على أن آتي بمقطوعة قصيرة واحدة.

هذا آخر يوم في السنة يا رب.
هذا أجمل طفل على وجه الأرض.

30-12-2021

•••

 

أنا عنيد، ولا أعترف بالموت.
أعبر قبيل الفجر طريق المقبرة كي أسمع أغاني الموتى، وكي أغنيها معهم أيضا. أجرّب أن أكون ولو لساعة واحدة عضوا في جوقتهم الكبيرة: دو ري مي فا صول لا سي. دو ري مي فا...

هم يعرفون أنني أرفض موتهم. لكنهم يعرفون كذلك أنني أرفض حمل رسائلهم إلى ذويهم. لا أستطيع حمل الرسائل، لا أستطيع. "كل شيء إلا الرسائل"، أقول لهم. لذا فهم ينظرون إليّ عاتبين. عليهم أن يفهموا أن الموت هو انقطاع البريد عن الوصول، وأنه حتى عنيد مثلي لا يستطيع خرق هذا القانون.
أستطيع أن أعبر الحد، أن أكسر النجمة بحجري، بل وحتى أن أكون لساعة كاملة مغنيا في الجوقة، لكن إيصال البريد فوق طاقتي.
وهذا ما يترك الموتى محبطين تتساقط رسائلهم مثل أوراق التين يابسة عند شواهد قبورهم. في حين أمشي أنا في طريقي عائدا إلى بيتي. ويمشي الفجر هو الآخر ورائي. يمشي في البدء حذرا مثل غزال رنة يتلفت يمينا ويسارا. ثم يتجرأ وتتابع خطاه، مخرجا البخار والنهار معا من منخريه.

النهار يطلع من منخري غزال الرنّة، أما أغنية السلم الموسيقي فتغور رويدا رويدا في أعماق الأرض.

29-6-2021

•••

 

الماء أسود، والتمر أسود. وأنا أسود مثلهما. كما أن الحقيقة سوداء، وأسود هو الفهد الذي يحرسها.
فتعالَ يا عابر السبيل، أو تعالي أنتِ يا نسرين، كي أكشف لكِ سوادي. كي أريكِ الوحمة المعتمة تحت ثديي، علّك تصيرين سوداء مثلي. سنكون أسودين مثل التمر والماء، ومثل الحقيقة وفهدها، إن مشيتِ معي.
أنا آكل حجارة وأنت آكلة سنابل. وسنقطع الطريق معا.
وحين يختم الليل بختمه سوادنا معا سأخمش لك كفّك مثل سنّور، وآكل الحجر الذي في يدك، والتمرة التي في فمك.
وأنت تعرفين أن هذه مجرد تشابيه، وأن التشابيه داكنة مثل دم الحيض.

لو كنتُ ملِكا لحبستُ نسرين حتى تصير سوداء، ثم أطلقتها في الفجر مثل صيحة غراب.

1-5-2021

•••

 

في الحلم كان أبي يبكي. ولم أكن أعرف سببا لبكائه. قلت له كي أهدئه: تعلم يا أبي أننا زرعنا حقلك كله قمحا، وأن السنابل وصلت إلى الثديين، فلِمَ تبكي؟ لكنه لم يتوقف عن البكاء. لم يكن القمح أو الشعير ما يبكيه. لم تكن الريح أيضا سبب بكائه، فقد أوقفتها بحركة من يدي لكنه ظل يبكي. سألته: أتريد أحفادا يا أبي، أتريد احفادا؟ لقد ولدت لك ما يكفي منهم- وكنت أكذب عليه في هذا- لكن دموعه ظلت تتساقط.

ثم صحوت مختنقا من بكاء والدي. ولم أستطع أن أنهض من فراشي. لم أكن أدري ما أفعل. لا يصلح أن تبكي على بكاء أبيك في الحلم، فهذا يزيد الطين بلة. ولا يصلح أن تنهض وتصعد إلى التلة كي تضرب بفأسك حتى ينهدّ جسمك وتنهدّ روحك، لأن الفأس ما زالت بيد والدك في الحلم.

أنا لا أعرف لم يبكي الآباء في أحلامنا. ولا أعرف لم جفت، نحن أبناءهم، دموعنا.

14-7-2019

•••

 

فجأة ردّ لي الموت ما أخذه مني. وقفتْ عربته أمام بيتي، وأنزلت كل شيء: أحبتي الذين اختطفهم مني، أصدقاء طفولتي، والأمل بتنورته القصيرة.

لم يعد لدي ما أبكيه. أستطيع الآن أن أضع نعلي تحت رأسى كي آخذ غفوة طويلة.

غير أن فاختة ناحت على الدالية.

لم النواح يا فاختة؟ ألا ترين أن أخي القتيل هابيل قد عاد؟ ألا تبصرين كيف عاد الأمل يلثغ مثل طفلة في الثالثة من عمرها؟ 

ردت الفاختة بصوت لا رحمة فيه: "ما فُقد لن يعود. لن يعود أبدا".

أيتها الكذّابة. سوف أكسر غصنك. سوف أكسر المنبر الذي تعظين فوقه. الكون دائرة. وكل شيء يسافر من نقطة على محيط الدائرة ثم يعود إليها. والموت ذاته حصان يجري على هذا المحيط. يحمل حمله ثم يفسخه. يأخذ القتيل ثم يردّه.

ردت الفاختة ثانية: "لا، لا، الموت حرّاث. يصيح ببغلته: دي... دي، ويشقّ ثلمه الطويل. ثلمه لا يتوقف أبدا، وبغلته لا ترتد".

سحبت الفاختة نعلي من تحت رأسي.

خرّبتِ الحفلَ الكبير الذي كنت أنوي أن أبدأه.

 2018

•••

 

وقّعت الطيور جميعا وثيقة تشهد بأن أجنحتها منحة، وأنها قد تُستَرد في أي لحظة.

جاء هذا في كتاب كليلة ودمنة، أو في كتاب يشبهه، في ما أظن.

لكن طائر أبي الحناء الأحمر الصدر لم يبصم على الوثيقة.

مسح بكفه الملطخة صدره بدل أن يبصم على الورقة.

وهكذا تلطّخ بالحناء صدره، وظلّ جناحُه ملكه.

لذا فهو يطير حرّا في وجه الريح، ويمزّق ثوبها.

يحط على شجرة الرمان، وبمنقاره يفرط عقيقها.

صدره الملطخ بالنار أنقذه.

وهو ممتنّ لهذا. لذا فهو يفرد في كل صباح جناحيه مثل سجادة صلاةٍ، ويطير كأنه يصلّي.

26-7-2017

•••

 

أعد لنا يا رب أمهاتنا ولو ليوم واحد أو يومين. نريد أن نعتذر لهن عن حُمّياتنا في الليل، عن عنادنا الذي جعل الحياة مرة في أفواههن، وعن وجودنا الخاطئ. لم يكن هذا الوجود خطأهن، بل كان خطؤنا نحن. فهن كن يحلمن بأبناء باسمين يحصدون القمح بالمناجل قبل طلوع الشمس.

أعد لنا يا رب أيضا الرّمد الربيعي في أعيننا. نريد أن نرى الكون من جديد بأعين ملتهبة. نريد أن نستعيد الحقيقة بالعين الحمراء. الربيع ورمده يا رب معا. الحقيقة وعنزتها التي ترافقها وتطعمها من حليبها.

أعد لنا يا رب رؤوسنا القديمة الهائشة مثل زهور القرنبيط. الرؤوس التي كانت يوما مملوءة بالنجوم. 

نعلم أنك لن تفعل هذا يا رب. فأنت لا تستطيعه لأنك محكوم مثلنا بالقانون الظالم الذي لا يرحم. لكن ما هي الحياة إن لم تكن مطالبة دائمة بالمستحيل.

المستحيل يا رب هو الشجرة التي ولدتنا أمهاتنا تحتها.

21-8-2019

•••

 

البكاء خطأ جيني.

مثلا، شجرة الصفصاف بكاءة بالطبيعة. تغطي وجهها بشعرها وتبكي. شجرة السَّمُر أيضا تبكي صمغا أحمر على جذعها.

وهذا أمر غير محمود البتة. على الأشياء أن تتصرف بتماسك.

الحجارة مثلا لا تبكي، لأنها سليمة الجينات. جيناتها صف منتظم لا اعوجاج فيه. البنادق كذلك لا تبكي. ليس لها ماض تتحسر عليه، أو أحد كي تذرف عليه دمعة.

وفي ما يخصني، فقد صادقت مرة واحدا يكره البكائين. كان يصرخ في من تدمع عيناه: «أقفل هذه البالوعة يا ابن الكلب، أقفلها»، ثم يطلق النار عليه.

وقد رحل هو ذاته من دون أنين. حين اقتربت نهايته، وقف بصعوبة على رجليه، فتح سحاب سرواله، ورمى بروحه على الأرض مثل رشقة بول.

البكاء خطأ. خطأ لا يغتفر.

15-7-2017

•••

 

طوّحت بنا الزهرة. طوّحت بنا الفكرة.

جلجلي يا أجراس النحاس. جلجلي يا يد الصدى.

لكل واحد منا عشرة مواجع. لكل واحد عشر أصابع. إصبع للشهادة وإصبع للزنى. إصبع للسيف، وإصبع للضيف.

طوّحت بنا الألف الممدودة والألف المقصورة.

مثالنا الوحيد أقدامنا التائهة. خير للمرء أن يرمي بالأمل مثل كرة حديدية في قاع البحر. خير له أن يُقتل على حاجز اليأس من أن يشغل نفسه بالأمل.

لكننا لا نستطيع أن نستغني عن الغناء. نكسر هلال أول الشهر ونغني. نكسر العرق بالماء ونغني.

لقد خلقنا الله هكذا: طيورا صرّاخة، وسخولاثاغية.

الغناء بلا أمل. هذا هو إنجيلنا. الغناء على صراط اليأس، على فم هُوّتِه المرعبة. هذه هي حرفتنا.

طوّح بنا جناح النحلة. طوّح بنا جريد النخلة. 

2-9-2015

•••

 

كتب لي على الإنبوكس سطرا، فرددت عليه بسطر.

ثم ردّ على ردي، فرددت على رده. ثم جملة مقابل جملة، وكلمة مقابل كلمة، كأننا لن نتوقف أبدا. كل منا يعرف أن القصة انتهت. أن الميت دفن. لكن الكلام لا يتوقف.

على واحد منا أن يكسر بعصاه الجرة. أن يقطع بالبلطة جذع الشجرة ويسقطها. لكن الكلمات تتوالى. فبعد العاشرة ليلا ليس سهلا أن يكسر أحد أحدا. السقوط في الصمت قاس بعد العاشرة ليلا. يجب أن يقطع أحد التيار الكهربائي كي يحل الصمت. يجب ان يتدخل الله كي يفضّ الجلسة.

بعد العاشرة ليلا تعيد الأغنية ذاتها وتعيد. تدور البكرة وتدور.

اليد مغلولة بعد العاشرة ليلا. يد الله ويد الإنسان معا.

16-8-2015

•••

 

لي صديق يأتيني في المنام، فأسأله: أين أنت؟ ولم غبت عني هكذا؟ فيبتسم ابتسامة فوق اللغة، ولا يجيب. وحين أرى ابتسامته يطمئن قلبي.

لكن حين أصحو أكتشف أنه مات منذ ثلاثين عاما. في كل مرة يحدث هذا. في كل مرة أكتشف في الصباح موته من جديد.

ليس هناك موتى في المنام. ليس هناك فقدان. ما تفقده في اليقظة تعثر عليه في النوم. من أجل هذا يظل النوم متعتي. فهناك أعثر على أحبتي الذين غابوا. لذا فأنا فأمضي إلى النوم كأنني أعود إلى بيتي، كأنني أذهب إلى الحقل.

لي صديق يجري مثل النهر. أنا على الضفة، وهو يتدفق تحتي. لا أستطيع أن أوقفه، ولا أن أسبح فيه. "إلى أين تمضي؟"، أقول له. "تعال نستيقظ معا، تعال. حوّل مجراك كي يتدفق نهارا تحت عتبة يقظتي".
لكن هذا لا يحدث أبدا.

هناك نهر كبير يتدفق في نومي. لكن يد النهار القصيرة تفشل في أن تغرف لي حتى غرفة واحدة من مائه، وتسقيني.

3-6-2015

•••

 

سأغنيك في الصيف، وأغنيك في الشتاء. الماء يفصل بيننا وأسيجة الحديد. لكن صوتي سيعبر إليك. سيكسر السياج، ويشق الماء. أنا الجُندب المغني. أنا الريح التي تلعب بالرمل، وتغني بلسانه. لن يخيط اليأس فمي، ولن تسكت الكآبة شفتي.

أنا المَوْتور. أغني قاتلي، وأغني قتيلي أيضا. العدالة هكذا. الكآبة أيضا هكذا.

آه يا من لم يسمع باسمي أبدا، سأغنيك في الصيف والشتاء. وسأعرّج عليك في الربيع والخريف. فالربيع كلبتي، والخريف بغلتي.

وسأثقب لك أيضا بإصبعي عشرة أنجم في السماء كي تهديك.

سأفتح لك سبعة ثقوب في القصبة كي تبكيك.

26-7-2015

•••

 

أخفق بقدميّ مستعجلا نحو حقل الخردل، والشمس لقلق يصعد إلى البركة الزرقاء فوقي. سأشرب الحليب برغوته هناك.

من شظف العيش جئت، وإلى النعيم أصل. من الغفلة أتيت، وإلى الفطنة أمضي.

الحليب يتقطّر دافئا في قلبي. والحليب يتقطّر على عيني وشفتي.

ارسموا لي قوسا يظللني. احفروا لي نهرا يتدفق تحتي.

اللقلق يصعد متثاقلا نحو السمت، والحجل ينحدر سريعا نحو الوادي. وأنا هنا في الحقل الكبير أبيع المودة.

أمس بِعتُ الملكة، وبايعتُ الملك. والملكة ممتنة رمت على كتفي بُردةً من زهور الخردل.

28-3-2015

•••

 

كنت في ما مضى دبّورا يطير مثل جمرة ملتهبة. وكان طنيني يهيمن على كروم التين. كل كروم التين كانت لي. كل ثمارها التي جرّحها الندى كانت ملكي. العين التي تتلفت إلى كرومي أثقبها بزباني. واليد التي تمتد إلى ثماري أحقنها بسُمّي.

كنت مثل وباء الإيبولا، أرمي بضحاياي على أسيجة الكروم.

ضاع ذلك الزمن. لم يعد لي جناح مشتعل، يكسر قوانين الله كلها.

اليوم أصعد بعصاي إلى التلة. أصعد بالوهم الكبير الذي تبقى لي. كروم التين اختفت. وطنيني الذي أذعر الحجر والبشر يعلق اليوم مثل أكياس بلاستيك فارغة على أعواد الشوك وألواح الصبار.

فهل سيعيدني الله في يوم ما شرارة تطير وتحرق الحقول؟

16-10-2014

•••

 

الليل صديق كريم. وكل شيء يرخي عناقيده فوق رأسي. وأحبتي يجلسون حولي كأننا في عيد. أحبتي الذين مضوا. أحبتي الذين هنا، وأحبتي الذين سيأتون. والموت كلب حراسة على البوابة. ريح الخماسين وحدها تضرب الباب غاضبة. لكن الخماسين جار كريه، أرفع الجدار بيني وبينه، أطفئ النور بيني وبينه.
أنا سعيد. أغني كأنني قضيب علندى، وأصرخ كأنني حِدأة.

أوه، لا تصدقوا كلماتي. لا تمدوا بأيديكم للعناقيد في العتمة. فالليل صفقة مريبة. عشرة طيور تغفو على الشجرة، لكن طائرا واحدا قلقا يحوّم فوق البيت. وكما تعلمون فإن طائرا واحدا يكفي كي يخرّب عيدا بأكمله، وإن عود ثقاب يكفي كي يحرق أمة بأكملها.

كانت الوجبة باردة. غسلت فمي منها برياح الخماسين. غسلت يدي بالأشنان.

لو كان للبكاء منفعة لبكيت لكم. لكن البكاء أكبر من طاقتي وطاقتكم. لذلك سأغني لكم مثل ريح الصَّبا. سأغني بلسان نبعة ريحان: الليل حجر قهرمان. الليل صفقة رائعة.

24-8-2015

•••

 

الأشياء الكبيرة تتساقط مثل البيض وتنكسر: الحب، الصداقة، الإيمان.

الأفضل للإنسان أن يبتعد ما أمكنه عن الأشياء الكبيرة. أن يوطن نفسه على العيش من دونها. هذا ليس سهلا بالطبع، لكنه ممكن في نهاية الأمر. الحشيش يساعد على هذا. يجلس الواحد على كرسي أو حجر ويدخّن، فتخرج الأشياء الكبيرة من رأسه وتصير دخانا. الأشياء الكبيرة دخان أزرق.

في ما يخصني، فقد كانت لدي صخرة كبيرة أقعد عليها وأدخن. وطوال سنوات حوّلت كل الأشياء الكبيرة في رأسي، كل الأوهام، إلى دخان.

بقي وهم واحد كبير ما زلت أضن به: الشعر.

لست أدري إن كنت سأطرده يوما ما من دماغي بنفسين من حشيش فوق الصخرة.

8-8-2015

•••

أنا أسود والنخلة شقراء. لكننا عقدنا قراننا. سيكون لنا بيتنا الكبير: الشِّعر من فمي، والتمر من عراجينها. وسنفعل الأعاجيب.

لكن من الذي جعل النخلة نخلة يا رب؟ من الذي اخترع الشعر؟ أهو أنت أم أنا؟

الشمس سقطت من على جبل الأربعين، والليل تكوّر مثل الجنين. وأنا والنخلة زوجان أحمقان نائمان. فهل سيغفر لنا الله؟ هل سيمسح بالندى قلبينا؟

الله واقف على جبل الأربعين، وأنا أسمر مثل العجين. لا تخافوا عليّ. فأنا أدخل من باب، وأخرج من باب. أقتل في كتاب، وأبعث في كتاب.

أنا طائر أسود، وأريحا جناحي الكبير.

26-5-2015

•••

 

لمحتكَ وأنا أركض. لكن لم يكن عندي وقت كي أقف وأقبّل يدك. كانت الدنيا كلها تطاردني كأنني لص، وكان مستحيلا أن أتوقف. لو توقفتُ لقتلت. لكن عيني لمحتك: يدك عِرق نرجسٍ في كأس ماء، فمك عُروة زرٍّ مفتوحة على صدر قميص، وشعرك حِدأة طائرة.

لمحتكَ، لكن لم ألوّح لك بيدي حتى. ولم يكن بيدي كبريت كي أشعل ناراً وأرقص حولها. كانت الدنيا تخذلني، وتتخلى عني.

لكن سوف يهدأ العالم يوما، وتتوقف الفضائيات المخبولة، وتتفرق الأقدام التي طاردتني، فأعود في الطريق ذاته، الطريق الذي لمحتك فيه. وسوف أجدك على المقعد ذاته: يدك عِرق نرجس، بسمتك حِدأة، وقلبك زهرة مشمش.

وعندك، تحت ظل مشمشتك، سوف أهدم خيمة يُتمي وأبني بيتي.

2013-6-24

•••

 

ليس صحيحا أن لكل طائر أغنية

ثمة طيور لا تغني أبدا

تقف على أسلاك الضغط العالي

وتدير رؤوسها يسرة ويمنة فقط

اليسار هو الصخرة

واليمين هو الحجر

وهي لا تستطيع أن تغني بين الصخرة والحجر

كما أنها لا تغني لأن الغناء سؤال وكُدْيةٌ

وهي لا تحب أن تسأل وتستجدي.

الغناء للطيور الحمقاء

أما طيور الصمت فتدير رؤوسها، بلا نأمة، بين الصخرة والحجر.

28-5-2012

•••

 

كنت صلصالا. خبزني الرب، ثم أخرجني من التنور، وخبطني على ظهري، وصاح بي: أركض، طريقك أمامك.

وتدحرجت وحيدا بين الشجرة والحجر. لم يكن لي اسم، فأخذت اسمي من التراب. وكان فمي أخرس، فالتقطت كلمتي من الشجرة. وكان هذا جيدا.

جيد يا رب أن يكون اسمي ترابا، وأن يكون فمي ثمرة.

لكن ثمة شيئا ناقصا يا إلهي، لا أجده تحت النخلة، ولا عند رأس النبع. ولست أدري اسمه حتى. وأنا مريض من دونه مرضا لا يداوى.

لا تعطني إياه يا رب. لا تضعه مثل حبة لوز في كفي. سَمّه لي فقط. قل لي أنه سمكة كي أقطع البحر وراءها. قل لي أنه نجمة كي أحذف النهار من أجلها. قل لي أنه ظبي كي أضع قلبه بين القوس والنشّاب.

شيء ما ينقصني

أنا يا رب صنم أجوف من صلصال، لا يعي إلا نقصه.

17-9-2013

•••

 

الخريف يُرخي يد الصيف عن آخر العناقيد، ويدنيها من فمه.

وهو يفعل ذلك دائخا. يتوضأ وهو سكران، ويصلي وهو سكران. فمن صنع به هذا؟ من جعله أضحوكة للصبيان؟

اسمعوا كيف تزجره الريح: أيها الخَرِف، لقد فضحتنا وأنت تحجل بين الصبية.

لكن الخريف لا يخجل من خرفه. يقعد على الصخرة، يضع فمه على فم الزجاجة، ويكرع. طيور مهاجرة تحط على عمامته وتكرع معه أيضا. وأنا كذلك أحمل عصاي، وأصعد إليه، وأشرب معه من فم الزجاجة، وأصيح بالريح سكرانا: ما لكِ ولهُ يا مكنسة الخريف الخرقاء؟! أكنسي واخرسي.

أنا والخريف شيخان بطّالان، لا عمل لهما، ولا يحسبان لشيء حسابا. يصعدان، مثل تيسي أروى بقرنين معقوفين، إلى قنّة التل ويشربان هناك من فم الزجاجة، بانتظار المغيب الكبير.

17-9-2013

•••

 

سرب طيور مهاجرة يحوّم في السماء فوق رأسي. يصنع دوّامة. الدوّامة تخطفني، وترفعني إلى السرب، فأصير جزءا منه. يمضي السرب، وأمضي معه. أخفق بجناحي كواحد منه.

أنا الآن جزء من سرب عظيم من ألف طائر. كل واحد منها نقطة صغيرة. وأنا نقطة سوداء على طرف السرب. أخفق مع النقاط، وأتموج معها.

إلى أين تمضي النقاط؟ لست أدري. فشغلتي أن أضرب بجناحي فقط. لكن لعلها تمضي إلى الله، أو إلى القطب الجنوبي لتختبر مجاله المغناطيسي. بل لعلها تمضي إلى واد عميق كي تنتحر فيه.

المقصد ليس مهما. فنحن نقاط هندسية سوداء تشكل ذاتها بذاتها ولذاتها بلا أي قصد. مرة تصير طائرا هائلا كالسميرغ، وثانية دوامة، وثالثة سهما.

لكنني أستطيع أن أقول لكم أن الكون جميل من أعلى، وأن الروح جميلة حين تصير نقطة في سرب العدم.

10-1-2014

•••

 

أمطرت أمس في الليل، فصعدت في الظهيرة إلى التلة. أخذت حبة زيتون وعصرتها بين إصبعي، فنزّ زيتها في كفي كالصديد. ذقته فكان في مرارة العلقم.

أنا أدري أن ثلثي هذه المرارة من داخلي لا من ثمرة الزيتون. في قلبي مرارة لا توصف لأنه جرى إتلاف كل شيء. كل ما حلمت به ديس بظلف القسوة، وسحق.

أكان قدرا أن تسير الأمور هكذا؟!

لم يبق على أشجار الزيتون سوى حبات سود نسيتها أيدي اللاقطين. لم يبق سواي على التلة. وغدا أو بعد غد سيأتي مطر أشد، وسيلمس بفمه الفضي جذور النباتات كلها، ويشفيها. ثم ستظهر الشمس بعد ذلك كي تخرج من الشقوق الحراذين وتصلي هانئة على أكتاف الصخور، وكي يقف طائر النقار بقنزعته على الجذع الصلب ويفتح ثغرة فيه.

أما أنا فلن ينفعني أي مطر. كما أن صرختي لن تفتح ثغرة في الجدار الأصم حولي.

6-11-2013

•••

 

الحياة كومة حصى

ولكل واحد كيسه الذي يجمع حصاه.

يمد يده إلى الكيس، ويأخذ كل يوم واحدة. بعضهم يرمي بحصاته الطير، وآخرون يكسرون الشبابيك. أنا فعلت مثلهم. كسرت شبابيك كثيرة، وأخطأت عصافير كثيرة.

بقيت لدي الآن حفنة صغيرة من الحصى في قاع الكيس. لنقل عشر حصيات. لا أنوي أن أضيعها على الثورات، ولا أن أرمي بها العصافير على الأشجار.

سأقعد على ضفة النهر، كي أقضم الدّرّاقات العشر بتلذذ. وعندما يفرغ الكيس، سوف أخلع قميصي، وأسبح في النهر. التيار سيأخذني معه. سيوصلني إلى الجزيرة الشهيرة التي تعرفونها.

بقيت عشر درّاقات على الشجرة. آخذ حصاة من الكيس وأسقط درّاقة. ثم حصاة أخرى ودرّاقة. وأنا أقضم، والنهر يقضم معي، والنهار يقضم كذلك.

أما الليل، فأبصق له النّوى كي يزرعه في وحله الأسود.

27-1-2014

•••

 

سأدعو الجميع إلى حفل الموت الكبير: الحصان، والنخلة، والكشتبان، والوتر الخامس للعود، والنهر الذي لم يسبح فيه أحد مرتين. كل هؤلاء سيحضرون.

أما الحصان فسيقف على قوائم ثلاث، ويعلك شكيمه صامتا. فالحصان هو الكائن الوحيد الذي يصدع راضيا بأمر الموت. إنه في الحقيقة صهوة الموت.

ولكي نحتمل الموت سأجعل له ظلا كظل الشجرة. فالشجرة تنشئ ظلها كي يتحمل معها عبء الوجود الثقيل. وسيعبر الجميع تحت ظل الموت: الريح والنخلة والنهر والوتر الخامس للعود.

ثم ستُصبّ الخمر- وسوف تكون وفيرة- ويُقطع لكل واحد أكحله، وَيشرب خمرته في كشتبانه الكبير، لكي يختلط الخمر بالدم، والدم بالخمر، ويدفقا معا من الأكحل المقطوع.

ولن يفترّ فم عن سِنٍّ، فهذا حفل نواح.

والنواح هو المعجزة الوحيدة التي بين أيدينا في حضرة الموت.

25-9-2013