1| بعد هذه الإنهيارات من حولنا، كيف تنظرين إلى موقع الشّعر لناحية ضمور الأساطير المؤسّسة لأوطانها وخواء المشاريع السياسيّة فيها؟
أحسب أننا بتنا نستمتع بالعيش في الانهيار، في ذلك شيء من الأمان... أقصد إطالة الانهيار قدر الإمكان، إنه وهم الخلود الجديد. ما سبق الانهيار من تلاطم، سيء، لكن الارتطام أسوأ. جل ما نقوم به، سواء تحت عناوين كبرى أو تفاصيل هامشية، هي محاولة دؤوبة لتثبيت الزعم أن لوجودنا معنى والمواظبة على الانخراط في المعارك أفضل من الاستسلام. فتجد من لا يزال يحاول التداول بالأفكار، بالمشاعر، بالعمل، ويسابق فيديو من ثلاثين ثانية.
هل نجا الشعر من هذا الانهيار؟! أظن أن الإجابة الأسلم أنه لم ينجُ. لكن على الأغلب، لا يزال ملجأ للضحايا، للهاربين، للباحثين عن ترميم انتماءات شظية.
2| كيف تفسّرين علاقتكِ كشاعرة بالمدينة/المدن؟ كيف يكون الشّعر ابن مدينة؟
أفكر في أن الشعر ابن حاجة. لي علاقة مع العالمين، "الضيعة" و"المدينة". لكن اغترابي عن أول مدينة عرفتها، فاجأني بما قدمه من اكتشافات عن ذاتي. لم يشدني الحنين لها، بل إلى القرية، وتبين لي أن تلك المدينة لم تكن "المدينة".
ما وجد مكانه في مجموعتي حسب ظني له صلة مع من أنا كشاعرة في قريتي أو ما بقي منها في وجداني، ومدينتي، الآن، التي جئت إليها وأخذت وقتي في كرهها وحبها والهروب من دوائرها، ومواصلة البحث فيها عن الميزان بين الذوبان الكلي وبين الحفاظ على العزلة.
قياس علاقتي مع المدن، لا يزال قياسًا غير واضح، ولا أعرف ما إذا كان استيضاحه مجديًا أصلًا.
3| إلى أيّ بُعد تذهبين خلال كتابة الشّعر ؟
ربما يمكن لغيري أن يجيب أفضل مني عما يبدو أني ذاهبة إليه في نصي أو شعري. أذهب إلى حيث أجد نفسي مدفوعة للقول، أولًا لمشاركته مع نفسي قبل القارئ من دون أن أحسب أنه سينشر أصلًا. أذهب إلى التشكيك في كل نص من حيث المستوى الشعري أو "الجودة"، ولا أرغب في الوصول إلى الثقة المطلقة بما أكتب. أذهب إلى اليقين بأن لا أحدَ سيكترث بالنص أصلًا.
ما هو طوطمكِ الشّعري أو بالأحرى طقوسكِ في الكتابة؟
العزلة والوقت. أحتاج إلى أن أكون بمفردي، ليتاح المجال للصمت وأتمكن من الاستماع إلى نفسي أولًا، ثانيًا لمحاورتها ومحاورة العالم. الطقس الوحيد، الذي أزعم أني مواظبة عليه، هو مزاجيتي، وهذا ربما يؤخر إنتاجًا يظل حبيس أفكاري إلى حين...
4| كيف تنظرين كشاعرة إلى الموت، مع سهولة حدوثه وغياب أثره وغوص ضحاياه في النّسيان؟
لست متصالحة مع الموت. لكني أتعامل معه مثل الحياة، مضطرة. الموت ليس عادلًا، لا يشقي من يأخذهم إليه، بل من يتخلى عنهم. الموت يخلد الشوق. وابتكار المتع يلهي عن الفقد، لكنه لا يمحي أثره. أفضل حضور من لا أحبهم كثيرًا على أن أشتاق إليهم كثيرًا في الغياب. أكتب لأتعامل مع الموت. أكتب لإبقاء ذاكرتي حية وأبقي الغائبين ناشطين فيها. أكتب لأوثق في النصوص والشعر ذكرياتي وندوبي وملامح من أحببتهم.
5| كيف تتعاملين مع اللّغة في شعركِ؟
في زمن التحوّل نحو الكتابة الموجزة الإلكترونية، كيف تصنعين مفرداتك وصُوَرك الحيّة وسط هذه التغيّرات السّريعة؟
لم تغير في مفرداتي، على ما أعتقد. لست أصلًا من محبي الحذلقة ولم أصبح أسيرة موجة كتابة الشعر من أجل "البوست الترندينغ" كي يصبح العالم كله صديقي على فايسبوك، وصفحتي مليئة بالمعجبات والمعجبين.
أعتقد أن مفرداتي وصوري، تغيرت مع التراكمات الإنسانية داخلي، ومع نضوج صوتي إلى حد ما. أهتم بأدواتي من منطلق اهتمامي بصدقية نصي، وبمدى مواءمتها مع ما يفرضه النص عليّ، لا من منطلق المغالاة في الصنعة و"الحرفنة"، ولا من منطلق مواكبة العصرنة الميديائية.
أعمل في الصحافة والإعلام، أواكب تطور التواصل والترويج وأستخدمه في عملي، شأننا جميعًا. ولكن بقصدية، أتعمد أسلوبًا محددًا يشبهني ويشبه وجهة نظري في المهنة والقضايا، والحياة.
هذا أمر بعيد عن سعي البعض إلى كتابة نص شعري يلائم مزاج متصفح "الريلز".
6| حدّثينا عن علاقتكِ بأقرانكِ من الشعراء/ات، هل يتّسعُ عالمكِ لشعراء/ات آخرين؟
لا يتسع عالمي لنصوص تُفرض بحكم الموقع المكرس للشاعر/ة. يتسع عالمي للشعر كقارئة. لست ناقدة، ولا أظن أصلًا أن من يحاول في الشعر عليه بالضرورة أن يتحول إلى ناقد لكسب "المكانة". لا أقرأ بعين الناقدة ولا حتى بعين "ابنة الكار".
أقرأ الشعر من منطلق دافعي للكتابة نفسه، كلاجئة.
يتسع عالمي للنصوص التي تمسني وتجد مكانها في داخلي.
7| ما الذي تتوخّينهُ من قارئكِ: التّضامن، الإعجاب، أن يحبّكِ، أن يحبَّ نفسه من خلالِ نصّك؟ وما الذي تريدينه أنتِ من الشِّعر كقارئةٍ له هذه المرّة.
هناك فرق بين الكتابة من أجل نيل الإعجاب بشخصك، وبين السرور بأن نصك وجد طريقه إلى قارئ ما، مسَّه على نحو ما. أن يجد قراء متنوعون أنفسهم في نصي، أن يستمتعوا بالمعاني التي استخلصوها نتيجة تأويلهم أو إسقاطاتهم، أن يبنوا علاقة مستقلة مع النص منفصلة عن دوافعي لكتابته، أو أن يحبوا أنفسهم في نصي، فهذه محاكاة لا أنفي أنها تسرني.