لا يمر شهر على وسط مدينة لوس أنجلس من دون أن يشهد بازاراً فنياً. الفنانون يعرضون أعمالهم، والحرفيون الفنيون يبيعون منتجاتهم، وثمة آخرون يعرضون أعمالهم على الرصيف في مؤخر شاحنة، أو في مدخل مبنى مهجور ليلاً أو حتى في موقف سيارات.
بلدية لوس أنجلس تعمد إلى تشجيع مثل هذه النشاطات في وسط المدينة، لتبعث بعضاً من الحياة في ليلها المهجور. في الأيام الأخرى، هذه الشوارع نفسها التي تعج وقت البازار بكل ما هو فني وغريب، تبدو مهجورة كما لو أن المدينة قد احتلها جيش معاد، بعد قصف مدفعي وجوي لم يبق من أهلها أثراً. في الأصل، مناخ لوس أنجلس الصحراوي، وهوى أهلها بالأشجار، وندرة الماء، تجعل من أشجارها مغبرة كما لو أن الطائرات المغيرة قد غادرت للتو. فالخضرة فيها ليست كما تُعرّف الخضرة أو يجري تخيلها. إنها خضرة على باب اليباس، وتكاد الأشجار تلوح عطشى فيما خضرة أوراقها تغالب صفرة الرمل والجفاف. ويعرف سكان لوس أنجلس أن أشجارهم هذه منذورة لنيران الصيف والخريف، حيث كل عام تحترق غابات من الخضرة تتفاوت مساحتها بين عام وعام بحسب حدة الشمس ونشاط رجال الإطفاء. وعليه يتضافر جهد الرمل والشوارع المهجورة في جعل المدينة أشبه ما تكون بمدينة أشباح. شوارع لا حصر لها يمر فيها المرء كما لو أنه "الدومري"، الذي يرد ذكره دائماً في الملمات. يكون فيها المرء وحيداً وخائفاً وغير قادر على توقع ما قد يحصل. لكنها في أيام البازار الفني تتحول كرنفالاً للفنون. وحيث أن الحديث عن الفنون نفسها، فإن من يمر في هذه الشوارع في ليل البازار، لا بد وأن يكتشف أنه يدخل وسط حشد لا يشبهه. فالمرء الذي يقطع شوارع مهجورة ليصل إلى بازار الفنون يكتشف فجأة أنه دخل ثقباً أو دهليزاً من دهاليز بغداد في ألف ليلة وليلة، فوجد حفلة عامرة وبستاناً وجواريَ يرقصن على إيقاع الدفوف. والحق أن الفنانين الشبان الذين يعرضون أعمالهم في هذا البازار، يجدون أنفسهم، بسبب طبيعة علاقة لوس أنجلس بالفنون أساساً، ولأسباب تتعلق بسؤال الفنون عموماً هنا وفي أي مكان من العالم، مرغمين على السير في أعمالهم على الحد الفاصل بين هاويتين. سيطالعك في مدخل مبنى هائل يشبه بوندستاغ برلين جماعات فنانين تعرض أعمالها وأجسادها في ما يشبه الظلمة التامة. مجموعة أولى حمراء تماماً، بضعة رجال يرتدون ثياباً حمراء مزينة بأرياش، وتقف بالقرب منهم امرأة ترتدي قبعة مهرج حمراء اللون، وجسدها العاري مطلي برمته باللون الأحمر. في الزاوية المعتمة من الكاراج الذي يشغلونه بعروضهم، ثمة رجل وامرأة يقفان بالأحمر كما لو أنهما في وضعية الرسم، وليس ثمة من رسام. تمضي في الرواق أبعد، ثمة مجموعة أخرى بيضاء تماماً. رجال حاسرو الرؤوس وعراة الجذوع مطليون بالأبيض، ونساء في ثياب عرائس يقفن بالقرب منهم. لا ملامح وليس ثمة تعابير على الوجوه. وأنت الداخل بثيابك التي تمضي فيها نهاراتك، وبعاداتك في الأكل والشراب تشعر بنفسك كما لو أنك دخلت أتلانتيس التي اختفت تحت البحار.
هؤلاء من سكان لوس أنجلس بطبيعة الحال، والأرجح أنهم في أيامهم العادية يلبسون ويأكلون مثلنا، لكنهم لحظة العرض يتحولون إلى كائنات من كوكب آخر. وحيث أن المدينة تبدو للمارة مهجورة من سكانها البني آدميين أصلاً، فإن شعور المشاهد بالغربة يتفاقم ويتزايد إلى حد اختبار رعشة الخوف والوحشة، والإحساس بها وهي تعصر قلبه كرجل يجتاز حقل ألغام.
تخرج إلى الهواء الطلق، هناك، ثمة سوق للمنتوجات الفنية. الرسوم المعروضة لا تشبه شيئاً، دوائر بالأحمر والأصفر على لوحات متفاوتة الأحجام. لن تتناسب مع أثاث بيتك، والأرجح أنها لا تتناسب مع لوحة اليوم. أيضاً أساور وعقود مصنوعة من سدادات البيبسي والكوكا كولا، معروضة إلى جانب كراس وأسرة مصنوعة من السدادات نفسها. يا إلهي، لقد أمضى الفنان أوقاتاً لا تحصى وهو يجمع السدادات ثم وهو يحيكها، وأخيراً لقد بذل جهداً هائلاً لنقلها إلى بازار العرض. هل تجرؤ أيها المار على تجربة السرير المعدني هذا؟
على نحو ما يبدو البازار المفتوح في هواء الشارع الطلق كما لو أنه يعرض أغراضاً لا تصلح للاستخدام الآدمي. والأرجح أن هذا الانطباع لم يكن ليكون بهذا الوضوح لو أن هذه الأغراض عرضت في مكان مأهول في شارع من شوارع لوس انجلس المأهولة ليلاً ونهاراً. لقد أتى الفنانون من كوكب آخر وجلبوا معهم أغراضهم. تلك التي لا تؤكل ولا تستعمل ولا يمكن فهم مقاييسها الجمالية بحسب ذائقتنا الفنية الأرضية.
طبعاً لن يمر وقت طويل قبل أن تتحول هذه الأغراض الغريبة في سياقها ومكانها أعمالاً فنية تجوب العالم. ولن ينتقص من فنيتها مثل هذه الملاحظات. على أي حال، يكفي شعور المرء بالرهبة أمام هذه الأعمال، وبأنه يسبح في بحر ليس بحره، حتى تكون قد أدت أغراضها الفنية على أكمل وجه. لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق يتعلق تعلقاً مباشراً بطبيعة المدينة وما تفرضه على فنانيها ومفكريها وسياسيها ومواطنيها على حد سواء.
كثيراً ما يجري الحديث عن لوس أنجلس بوصفها مدينة أجمل جميلات العالم، وأوسم رجال الدنيا. المطاعم الفاخرة ونوادي التعري المنتشرة، ورمال الشواطئ المرصوفة بعناية البنائين، والسيارات الفخمة التي تجوب الشوارع من دون هدف. لكنها أيضاً مدينة المطهر، ذلك أن الفتاة الجميلة التي تسافر من أوهايو إلى لوس أنجلس، تريد تحقيق حلمها في أن يصادفها أحد المنتجين أو المخرجين السينمائيين، فتدخل عالم السينما والاستعراض وتصبح واحدة من مشاهير العالم، لكن هذه الفتاة حين تسافر فإنما تسافر وحدها، لا عائلة ولا أصدقاء طفولة، وليس ثمة ما يربطها بهذا المكان. في وسع المدينة أن تطحنها كحبة حمص، وفي وسعها أن تذيبها وهي تجلس على قائمة الانتظار، وهي قائمة طويلة إلى حد الملل. كما لو أن الداخلين إلى هذه المدينة يدخلون مطهر دانتي نفسه، فيسقطون مباشرة في بئر الانتظار التي تتسع للملايين منهم. وهم يعرفون أن ثمة في المدينة من حققوا أحلامهم فأصبحوا يعيشون عيشة المؤمنين في جنات الخلد، ويعرفون أيضاً أنهم ربما يقضون سحابة شبابهم، رجالاً ونساء، وهم يدورون على المؤمنين المتمتعين بمباهج هذه الجنة على الأرض بأباريق الفضة. إنها مطهر، والناس فيها إما خدم مثلما هي حال حور الجنة وولدانها المخلدين، وإما مخدومين مثلما هي حال أغنياء العالم ومشاهيره.
مدينة هذه حالها، تدفع فنانيها إلى الحد الأقصى الذي يستطيعون الوصول إليه. فالغاية النهائية أن يتبنى منتج ما أعمال هؤلاء أو يرعى مواهبهم. وهذا يدفع الجميع إلى محاولة بذل أقصى ما يستطيع، وإعمال الخيال إلى الحد الذي لا تعود معه السيطرة عليه ممكنة. وتالياً يتحول الفن تهريجاً خالصاً، لكنه تهريج ديك مذبوح قبل أن يسلم آخر نفس.
لن تحتاج أن تتخيل أو تفكر طويلاً في الديوك المذبوحة. ما أن تقرر العودة إلى حيث أوقفت سيارتك، والوقت صار متأخرا، حتى تنتبه أن الشوارع مقفرة تماماً. مبان هائلة تجثم على يمينك ويسارك، وسيارات نادرة المرور تمر إلى جانبك بين الوقت والآخر. وأنت مجبر على انتظار الإشارة الضوئية لتقطع الشارع من رصيف إلى آخر. لحظات انتظار ممضة كما لو أنك تهرب من سجن، وتنتظر أن يتحول الضوء الكاشف عنك ليتسنى لك المسير خفية ومن غير أن تزعج أحداً. على جانبي الرصيف رجال ونساء يباشرون نومهم في العراء. بعضهم يلتحف جرائد، وآخرون يلتحفون أكياس نايلون، وثمة آخرون يتكومون كجثث من دون لون وتفاصيل، وثمة الرائحة الحريفة التي تنبعث من أجسادهم، التي يندر أن يتسنى لهم غسلها، وتجعلك تشعر كما لو أنك تمر في ساحة مجزرة. هؤلاء نصف موتى على قارعة الطريق، لكن أي منهم قد يجرك من يدك ويسقطك في البئر نفسها التي يعيش فيها. هؤلاء أيضاً أتوا إلى لوس أنجلس يوماً وجلسوا على مقعد الانتظار نفسه الذي تجلس عليه أنت اليوم. تجلس منتظراً كما لو أنك شجرة زرعت في شاحنة وأنت لا تعرف إذا كان ثمة من سيعود لزرع جذورك في التراب أو تركك تيبس في الشمس وتعطش في الرمل. عليك أن تغادر هذه المدينة حتى لا تبقى منتظراً قطاراً تعرف جيداً أن مواعيده فاتتك منذ أن اصبحت بلادك مقرونة بالدم والانفجارات والأزمات.