شُغْلُ المنافي (The Job of Exile) مقابلة أجراها الشعراء فادي العبدالله وعلي شمس الدين وعادل نصار مع بلال خبير عام ٢٠١٢ إثر مغادرته لبنان قسراً. وقد جمعها ونقلها الفنان والأكاديمي وليد صادق إلى الإنكليزية ونشرها في دورية The Third Text النقدية الثقافية في تلك السنة. أعاد علي شمس الدين تجميع النص العربي لمواءمته مع النص المرتجم. نستعيدها هنا في موقع "الورشة" في حلقتين متتاليتين.
The Job of Exile : Third Text, Vol. 26, Issue 4, July, 2012, 459–470
1| فادي العبدالله: هل عجزُ البلاد عن القيام من عجز أسطرَتها؟ أعني أنها بلاد لطالما أنتجت وصدرت أساطيراً على مدى ألوف من السنين، وربما نفدت إمكانية استخراج أساطير أخرى من الإطار الذي أنشأته، فهل باتَ عليها الآن أن تكتفي باستيراد الأساطير المؤسسة؟ وكما في كل استيراد، هنالك مستوردون متعددون، وتبعاً لذلك تعجز البلاد هذه عن الاتفاق على واحدة فحسب. في هذا الإطار، كيف تقرأ، اسمين بالتحديد ميشال شيحا، ومحمود درويش؟
بلال خبيز: النجاح في الأسطرة ليس مرادفاً لقيام البلاد. لنعكس العبارة، البلاد التي ما زالت قائمة بنجاح ليست بالضرورة خزان أساطير. مع ذلك إثبات هذا الحكم شائك وصعب، وربما سيُحيلُنا إلى اعتراضات لا تُحصى وتعريفات لا تُحصى للأسطورة والأساطير المؤسسة. على أي حال، لطالما لفتني في الأساطير اليونانية ثم في أعمال بورخيس ورولان بارت، على الأقل، واستطراداً في حكايات سندباد وفي المعتقدات الدينية لدى الأديان كلها خاصية مميزة للمخلوقات الأسطورية، وتكمن في قدرتها الفائقة على الالتهام. أحسبُ أن الأساطير المؤسسة تلتهم أول من تلتهم أبناء البلاد التي تؤسسها. يمكننا القول من دون اعتراضات تذكر أن ألماناً كثيرين ماتوا من أجل أساطيرهم من دون جدوى. لم يكن ثمة داع لموتهم على الإطلاق، فلنقل أن ذلك ينطبق أيضاً على الفلسطينيين والسوريين والإيرانيين والإسرائيليين. هنا في أميركا أقمتُ صداقة مع أحد الفلسطينيين، هذا الرجل التقى في جلسة عمل في الجامعة التي يحاضر فيها بإسرائيلي يعيش ويعمل في أميركا ويحمل الجنسية الأميركية. وما أن تعرف الأخير على جذور صديقي حتى بات عاجزاً عن استكمال الجلسة. في الاستراحة، سأله الفلسطيني: هل سبق لك وأن شاركتَ في حروب إسرائيل؟ أجابه الإسرائيلي: بالطبع شاركت. الفلسطيني عاجله بسؤال آخر: لماذا هاجرت من إسرائيل إلى أميركا؟ أجابه أن الحياة في أميركا أكثر أماناً واستقراراً فضلاً عن أن جوها العام أكثر مناسبة لإنشاء عائلة والاستقرار فيها. فما كان من صديقي إلا أن قال له، ما دامت الحياة في إسرائيل لا تستحق ان تعاش، فلماذا كنت تقتل الناس دفاعاً عنها؟
لا أورد هذه الحكاية بغرض الانحياز إلى منطق جهة من الجهتين. إذ يصح السؤال نفسه على الفلسطيني ايضاً. لكن ما أردت الوصول إليه من سرد هذه الحكاية المختصرة هو التالي: نحن لا ندافع عن البلاد التي نتحدر منها أو نعيش فيها لأننا نؤمن بأساطيرها. على العكس، هذه الأساطير هي قيودنا، بعض أسباب موتنا قبل أوانه، وقدرنا الذي يلاحقنا من جيل إلى جيل. وغالباً ما يجد المرء نفسه محكوماً بأصله وجذوره والأرجح أن أيسر السبل للتخلص من اضطراب العلاقة بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه يتمثل في استسهال الإيمان الأعمى بأساطيرنا. أي الجنوح نحو التطرف والتعصب الأعمى.
لا شك أنك لاحظت أنني أقود الإجابة نحو مرفأ أجيد الإبحار إليه. وهذا صحيح، في الواقع أنا أضرب هذه الأمثلة لأسأل، ألم يكن ممكناً أن يتحرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي أو يستقل عن سوريا من دون أن يشعر المقاتلون والمناضلون بأنهم عمالقة ولا يهزمون؟ أجزم أن نعم، لكنها الرغبة بصناعة الأسطورة والعيش تحت وطأتها. على أي حال، آجلاً أم عاجلاً سندفع ثمن هذا الخنوع أمام الأسطورة التي صنعناها وصدقناها ولم يصدقها غيرنا.
أحسب أن بعض أسباب معضلتنا الراهنة في لبنان تصديقنا لأساطيرنا الراهنة. لبنان اليوم بلد متخم بالأساطير، من أساطير التوازن الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي، إلى أساطير ثورة الاستقلال التي تزعم أن اللبنانيين هم غير ما هم عليه، إلى أساطير المجتمع المدني التي لا تكف عن مضغ مقولات تتعلق بتخلف اللبناني عن الالتزام بالقانون وهو قانون الدولة التي يسهل على أي كان الانقلاب عليها. وفي هذا ما يجعلني أفكر ملياً قبل نسبة ميشال شيحا ومحمود درويش إلى الأسطرة وصناعتها. وعليه، أجد نفسي، توخياً للإنصاف، ملزماً بإعادة صوغ رأيي في ميشال شيحا وأعماله على نحو مختصر وشديد الابتسار. أعتقد أن شيحا نجح في توليف دور للبنان في المنطقة كانت له مقوماته. وعليه صيغت شخصية لبنانية اعتماداً على أثرها في المحيط وموقعها في العالم، طوال أكثر من عقدين. هذه الشخصية سرعان ما تفتتت نظرياً على أيدي منظري اليسار في الستينات والسبعينات. لكن مشكلة اليسار، ولبنان طرداً، ان منظريه فتتوا الشخصية المستندة إلى دور لكنهم لم ينجحوا في صياغة مكونات دور آخر. حولوا البلد إلى ساحة وما زال. محمود درويش من جهة ثانية قد يكون فعل العكس. انه صانع الشوق، تمييزاً له عن الحنين، الشوق الفلسطيني إلى المكان، واستناداً إلى هذا الشوق العارم حاول بناء الشخصية الفلسطينية. على اي حال، هذه شخصية فتية، ولم تختبر محنة الاستقرار بعد، وهو على ما تعلم قد يكون هداماً في هذا المجال.
2| فادي العبدالله :أنت في منفى قسري، أنا في منفى طوعي، آخرون في باريس، اسطنبول، حديقة البيت، الفايسبوك... الخ. وكلها منافٍ مختلفة أي دور للمنفى وللمنفيين في آتي البلاد؟
بلال خبيز: كي أكون نزيهاً، ينبغي علي ان اصدقك القول، بأنني آمل حقاً، لكنني لا أعلم. إذاً فلنتحدث عن الأمل. وحيث انني منفي، بصرف النظر عن سبب النفي، فإنني محكوم بالعيش في ما مضى. كل يوم جديد هنا هو منقطع عما مضى. وتالياً، يشبه العيش في المنفى اكثر ما يشبه العيش متقمصاً شخصية أخرى. هنا دائماً حين اكون في مكان عام ومكتظ، ويحدث ان يهاتفني احد معارفي احاول ما استطعت اختصار المكالمة، حتى لا يفطن من حولي إلى كوني اتحدث بغير الانكليزية. اضف إلى ذلك فإنني اشتاق إلى القراءة بالعربية، لكنني اتجنب حمل كتاب مكتوب بالعربية في حقيبتي والقراءة فيه في مقهى او مكان عام. اللغة التي اشتاق إليها باتت لغة حميمة، امارسها في السر فقط وبعيداً عن عيون الآخرين. هذا يشكل جزءاً من الجواب. وهو جزء متعلق بموقع البلاد التي جئت منها في عين الرأي العام. دائماً اجد نفسي في حاجة ماسة إلى اثبات ان في وسع تلك البلاد وهذه اللغة ان تكون مفيدة وضرورية للناس، ودائماً أعجز عن مباشرة اللغة من دون التفكير بأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. وهذا ما جعل الإقبال على هذه اللغة في هذه البلاد إقبالاً مخابراتياً. الناس تريد تعلم العربية، ليس لأنها لغة حياة بل لأنها لغة تمويت، وهم يحاولون تعلمها توخياً لتمييز اللحظة التي تعلن فيها الحرب من دون حاجة إلى مترجمين.
قد يكون ما ذكرته آنفاً له علاقة بتحسس شخصي وحسب. إنما يجدر بي ان اورد ملاحظة أخرى عن لبنانيي اميركا. الرجال من اللبنانيين، تمييزاً لهم عن النساء، يبدلون اسماءهم إلى اسماء أميركية. الأرجح أنهم في وجه من الوجوه يخجلون بأصولهم، ويريدون فسحة من العالم لا تذكرهم بها. والحال، ونحن نتحدث عن دور المنفى في آتي البلاد، قد تكون هذه الملاحظة ذات أثر راعب.
ما ذكرته عن الحاضر المنقطع عن الماضي في المنفى، يتصل على نحو مباشر بدور المنفيين. الحقيقة ان تحويل الحاضر إلى كتاب نقرأ فيه الماضي وخطة للمستقبل توجب علينا السفر إليه بأمتعة قليلة، على مايقول بوريس غرويس. والحق ان امتعتنا نحن اللبنانيين ثقيلة جداً، وربما يصدق هذا الزعم على الفلسطينيين والإيرانيين وغيرهم أيضاً. هذا كله مما يدفعني للقول: لا أعلم. لكنني حين افتش في حقائبي الثقيلة اتذكر أن الشرق الأوسط تأسس عموماً على الصورة الحالية في المنافي والمهاجر، فارس الخوري كان في فرنسا، والرابطة القلمية تأسست في اميركا، وحتى الحركة الوطنية الفلسطينية التي تأخرت قليلاً عن لحظة التأسيس هذه، ولدت في المنافي. في ما يخص لبنان مثلاً، يجدر بنا ان نتذكر ان اعمال المؤسسين النظرية لم تلحظ كارثة الجوع التي ضربت لبنان اثناء الحرب العالمية الأولى وفي غضونها، وكان يمكن تفاديها لو تضافرت القوى اللبنانية يومذاك على مثل هذه المهمة، على ما يذكّرنا يوسف معوض. لم يكن ممكناً، في ما احسب، ان يباشر هؤلاء مهتمهم الجليلة من دون تواطؤ على التناسي. في لبنان اليوم، مشكلتنا الكبرى اننا لا نريد ان نتناسى، او لنقل نتغاضى. ما زال السياسيون يحاسبون على اعمالهم في زمن الحرب الأهلية الساخنة. لنبني بلداً مرة أخرى، بعد حرب اهلية خصوصاً، يجدر بالقاتل ان يتذكر دائماً جريمته، ويجدر بالضحية ان تتناسى من قتلها. ذلك ان الضحية في لحظة ما يكون هو نفسه القاتل في اللحظة التالية. وبالعودة إلى الحديث عن الأساطير الملتهمة احسب انه ينبغي علينا الإيمان ان قاتلنا هو نفسه لقمة الأسطورة، إنما لا ينبغي ان ننسى اننا من جهتنا لسنا سوى قتلة أعداءنا وخصومنا. مع ذلك احسب ان استحالة البناء من دون نسيان شيء وتذكر آخر، لا تحجب فرصة جليلة ينبغي علينا التفكر فيها وانعام النظر. ذلك ان المهاجر والمنافي عموماً وأميركا خصوصاً، تحض المنفيين والمهاجرين على إشهار جذورهم وهوياتهم. وهذه البلاد التي تجرؤ على استقبال المهاجرين والمنفيين، ولا تقفل حدودها على كل غريب ووافد هي من القوة بحيث يصعب على المهاجرين والمنفيين ان يرتقوا فيها إلى مصاف المنتمين إلى هويتها، وتالياً الخضوع لسلطة اساطيرها، مما يجعلهم اقرب من اي وقت مضى إلى هوياتهم الأصلية التي ينشئون مجسمات تشبهها في المهاجر. اليس هذا هو مؤدى ومعنى وجود، كوريا تاون وارمينيا تاون وشاينا تاون في كنف مدينة واحدة كلوس انجلس؟
3| فادي العبدالله: كيف ندافع عن المحليّ إن كنا، كمثقفين، محكومين بالانفتاح على حداثة لا تبقي ولا تذر؟ أو، قفا السؤال، ماذا بقي فينا من محلي، ويستحق أن نقاتل لأجله؟
بلال خبيز: قد يكون تعبير ان نقاتل لأجله مفتقراً إلى الدقة. علينا ان نقاتل لأجل خلعه عن مصائرنا. لكنه قتال سيزيفي بمعنى ما. لن تنجح في خلع هذا الجلد، لأنك كلما حاولت اكثر كلما توغل فيك اكثر. في النهاية، تستسلم ولا تقاتل. تعلن لنفسك او تسر لها على الأصح، ينبغي ان اعيش مع هذا الذنب. وحيث انني لا استطيع الفكاك منه، فلأحاول اخفائه في طيات ثيابي، في اقنعتي اليومية، وفي ما اتعلمه وما اكتسبه كل يوم. الحق ان ضعف العلاقة بالأوطان يتأتى من معرفة الأوطان، وكلما اوغلت في المعرفة عميقاً كلما باتت حماستك للدفاع عنها، بالدم والروح، اضعف وتراً. هذا في ظني ما يميز الجندي عن المواطن. المواطن يريد من بلاده ان تحمي حياته، وتوفر له سبل العيش المطمئن، والجندي يريد من بلاده ان تؤمن له الرفاهية التي يستحقها لقاء التخلي عن حقه بالعيش مطمئناً. واقع الأمر ان المهاجرين يشبهون الجنود والسياح معاً وفي آن. لأنهم يريدون الرفاهية لكنهم يعجرون عن تطلب الاطمئنان. إذا كنت تعيش في فرنسا او في أميركا، ما الذي يدفعك لأن تكون فلسطينياً او مسلماً متعصباً غير واقع انك لا تريد الاطمئنان؟ يبدو ان المهاجر والمنافي تحض على تطلب الموت أكثر مما تحض على تطلب السلامة.
4| فادي العبدالله: سؤالي إليك إنما هو عن أثر الشعر في سياستك؟ وعموماً، ما يستطيع الشعراء إن رفضوا الصمت في الأزمنة الرديئة كما حرضهم بريخت؟
بلال خبيز: ثمة صناع للسياسة اليومية في لبنان، لم اكن انا منهم. نحن كنا نعلق على الشؤون السياسية بوصفنا معترضين على المسار العام الذي تسلكه، ولم نكن كتاب سلاطين. وبمعنى آخر، جل ما كنا نحاوله جميعاً، عدا نفر من محترفي الإصغاء للمصادر السياسية والأمنية المطلعة، ان ننشئ مساراً آخر. مسار دولة جامعة لم يسع اي من صناع السياسة إلى انشائه، بصرف النظر عن الخطابات اليومية. في مسار كهذا لا يدخل الشعر موارباً، بل يدخل من الباب العريض. في ملخص التجربة، لم اقتنع يوماً واحداً ان الدولة اللبنانية جامعة، وما ذهبت مذهب اليساريين والعلمانيين الجدد في لبنان الذين كانوا ينافحون من اجل تطبيق الزواج المدني الاختياري في لبنان. كنت ارى وما ازال، ان القوانين اللبنانية ليست مقيدة لأي كان، وتالياً لا يبدو البحث عن تشريع خاص بهذه المسألة او تلك على هذا القدر من الأهمية. اتذكر احمد بيضون معلقاً على الدستور اللبناني بالقول: لدينا دستور حديث، لكننا أفرغناه من مضمونه. الصراع في لبنان كان يدور من فوقنا وخلفنا لكنه ابداً لم يكن أمامنا. شخصياً كنت ادرك ذلك جيداً. ولهذا لم اكن اكتب في السياسة السياسية، بل في ما اجرؤ على عنونته بالثقافة السياسية. كنا حفنة من المختلفين عن القوى المؤثرة والحاكمة والمتسلطة في كل شيء. وكنا نحاول ان نشق مساراً ضيقاً ولم ننجح. على اي حال، لم تكن تلك تجربة اولى، مكونات لبنان البيولوجية أكلت ثورة بشارة الخوري ورياض الصلح، وأكلت القوميين عرباً وسوريين في ما بعد، واكلت اليسار الجديد والقديم، وهي في طريقها الآن لتأكل ما تبقى من البلد، لأن ثورات لبنان في السنوات الأخيرة نشأت في عظم البلد وليس على جلده مثلما ينبغي لها ان تكون، لكي تصبح مجيدة او يمكن الاستفادة منها. حين تكون المقاومة ضد اسرائيل وطنية، تنجز التحرير، وهذا لخير البلد طبعاً، لكنها لا تستطيع الاستعصاء على البلد في وقت السلم. الوطنية في بلد كلبنان تعني صفة طارئة، صفة قد يعتنقها عدد من اللبنانيين في وقت ما، وهي تنمو، اي هذه الصفة، نمواً علمانياً حديثاً، اي استناداً إلى دورها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والوطني في هذه اللحظة دون غيرها. والحال، ما ان تنجز مثل هذه المقاومة مهمة التحرير، حتى تضمحل وتختفي من الوجود وتبقى ذكراها، لأنها تستند إلى المهمة التي ولدت من أجلها. أما حين تكون المقاومة شيعية او اسلامية او مسيحية، فلا يمكن تحديد دورها بوظيفتها، لأنها إنجاز طائفي وليست انجازاً طبقياً اجتماعياً. مفهوم ان يكون فكر الطبقة العاملة قد خيم على القرن العشرين، او معظمه، إنما مع تضاؤل دورها والحاجة إليها كطبقة، اضمحل اثرها ولم يبق منها غير ذكرى افكارها. ما هو السبيل لجعل أثر الطائفة يضمحل غير دفع ابنائها إلى الهجرة، او قتلهم في الحروب والمجازر؟ لهذه الأسباب مجتمعة، كنت وما أزال اعتقد ان خلاصنا شعري في معنى من المعاني. واننا في حاجة، على نحو ما لاستيلاد شكسبير او دوستويوفسكي خاصين بنا.
5| فادي العبدالله: هل يمكن للسياسة أن تبنى على الهشاشة والرقة؟ أو للمجتمع أن يبنى على البوح؟ أو للاقتصاد أن يبنى على الهوى؟
بلال خبيز: لي ان اعلن: احب لبنان. ولن يسألني أحد: ولماذا تحبه؟ اعلاني هذا اشبه بالبوح، وتسليم الآخر بهذا الحب قبول بقوة البوح وجدارته في أن يكون مسكة اجتماع ما. لكننا في السياسة نختلف على طريقتنا في حبه. السياسة في معنى ما هي محاولة تغيير تتوسل العنف، المادي والمعنوي على حد سواء. لا أعتقد ان السياسة تبنى على هشاشة ورقة، لكنني احسب انها تنبني على ازدراء. ورغم كل المجاملات السياسية التي تحفل بها خطب السياسيين إلا أننا في النهاية ندرك طبيعة السياسة عند اندلاع الأزمات. حين ينعدم الأدب السياسي وتسود قلته. للهشاشة والرقة حظ في بناء سياسة ما، حين يكون ثمة آخر، قوة داخلية او خارجية، تضطلع بمهمة العنف. لطالما رأى اليساريون، في العالم اجمع، في اميركا، شعباً دولة ومؤسسات، كائناً شريراً لا يجيد غير لغة العنف. وضع أميركا في موقع الشر المطلق صنع سياسات هشة وتتسم بالرقة في بعض الاحيان. لكنها كانت سياسة مخاتلة. ابعد من ذلك، لا أحسب ان ثمة سياسات ديموقراطية اصلاً. وإن وجدت فللحظة خاطفة، وقد تكون ازهرت واينعت، وانشأت اثيناها، بحماية سنابك الخيل الرومانية. القوة والفرادة الأميركيتين تتيحان بناء سياسات تقوم على الهشاشة والرقة في معنى من المعاني، إنما خارج أميركا بطبيعة الحال. في كوستاريكا مثلاً، او حتى في سويسرا كاحتمال. ذلك ان الجيش الأميركي ينوب عن الجيوش الأخرى في الحماية والردع. والحال، في وسع وزير اسباني او ايطالي ان يطلق من المواقف والآراء، ما ينم عن رأفة ورقة بخصومه وأعدائه، ذلك انه ليس قلقاً على بلده ومكانتها ما دام ثمة جيش أميركي قادر على الدفاع عن اوروبا حين تدعو الحاجة. الأمثلة في اميركا مذهلة: كاليفورنيا مثلاً التي يسكنها حوالي الأربعين مليون نفس، والتي تجاوز مساحتها مساحة دولة كبرى من دول العالم، لا تملك غير صحيفة واحدة تعنى بالشؤون السياسية والعامة. مواطنو كاليفورنيا لا يقلقهم ما يقع خارج الحدود. ثمة في واشنطن، العاصمة الفدرالية التي نشأت على ارض معارة، من ينوب عنهم في اتمام هذه المهمة. يقول كارلوس فوانتيس ان ليس ثمة في السياسة بدايات. وهذا صحيح، السياسة هي فن اقتناص اللحظة. واللحظة بطبيعتها ميالة إلى العنف. استطيع ان اتذكر ذلك الوزير التشيكوسلوفاكي الذي صرح في حمأة الصراع على اوروبا في منتصف القرن العشرين: "اننا نحب أميركا لأنها لا تطمع بأراضي تشيكوسلوفاكيا، ونود ان نحب روسيا".
الحديث عن أميركا مقصود لذاته في هذا المجال. ذلك ان اقتصادها، الرائد والضخم، يبنى في جزء اساسي منه على الهوى والشغف. الأميركيون لا يحبون الأسماء الكبيرة. مؤسساتتهم تولد وتنمو وتموت ككائنات. وأحياناً يهجرونها ويتركونها تموت في الصمت والعتمة. والأميركيون لا يستقرون في مواقع ومواضع بعينها. دائماً يتركون الرائج والشائع لغيرهم، ويذهبون بحثاً عن جديد ومبتكر. تتربع أميركا على قمة الاقتصاد العالمي منذ عقود، لكنها دائماً قلقة وشعوفة في الاقتصاد. لكننا نكاد لا نذكر بعض صانعي مجدها الاقتصادي. أين هو روكفلر وأين هو اوناسيس، بل اين هو بيل غيتس اليوم؟ في بلاد أخرى ثمة مؤسسات كبرى أثمن من البلاد وشعوبها. فيات في إيطاليا اثمن من شعبها، وكيا متورز في كوريا تفدى بالمال والجهد العامين. ثم ماذا عن شانيل في فرنسا وبرادا في إيطاليا. المؤسسات المماثلة من حيث الشهرة والحجم في اميركا هي مرسسات مرذولة ومكروهة:الأميركيون هم اكثر شعوب الأرض قاطبة الذي يكرهون ماكدونالد. أخلص من هذا إلى القول ان اهواء الأميركيين ليست مؤثرة في الاقتصاد وحسب، بل تكاد تكون هي المحفز الوحيد لبقاء هذا الاقتصاد رائداً.
6| فادي العبدالله: باستثناء مقالة يتيمة عن أسمهان، ورثاء لسيد مكاوي، إن لم تخني الذاكرة، لم تتناول حاسة السمع في أبحاثك المهجوسة بالحواس عموماً وبالجسد. أتذكر أنني طرحتُ هذا السؤال عليك، شفاهة وكتابة أكثر من مرة، ما أود سؤالك عنه الآن، مجدداً، وأنت في الولايات المتحدة، هل يتغير ترتيب الحواس في المنفى؟
بلال خبيز: أحسب أن سؤالك بالنظر إلى مقدماته ليس دقيقاً في حالتي. بمعنى آخر، لم أكن يوماً ارتب الحواس على نحو يضع الأذن في أسفل القائمة. ولكي اكون اكثر وضوحاً في هذا المجال، فإنني على ما يبدو استنزفت كل أهوائي. اجدني مرة شغوفاً بالطعوم، فأفتش عن أسرارها. وحين اكتشف بعضها او اوقن انني اكتشفتها، انصرف عنها. يصبح اختبار الطعوم روتيناً بالنسبة لي. هذا ينطبق ايضاً على اللمس والشم والنظر. لكنني ابداً لم استطع التغلب على شغفي بالأصوات. وقد جاهدت كثيراً لفك طلاسمه ولم انجح. تبدو لي الأذن هي أداة الحس الوحيدة التي تؤمن لي متعة خالصة لا يشوبها اي شائبة من التسلسل المنطقي او التراكيب المفهومة والمعقولة. أقرأ بلغات مختلفة، لكنني اسمع بلغة واحدة. ورغم الزمن الطويل نسبياً الذي امضيته خارج المكان، بحسب تعبير ادوارد سعيد، فإنني لم انجح في استساغة الموسيقى الغربية. لا لعلة فيها بل لعلة تسكنني. ما زلت حين استمع لام كلثوم او الشيخ إمام او صباح فخري، اشعر انني ضعيف إلى الحد الذي اود لو اختفي واذوب كلياً وسط الحشود. لا أملك القدرة على تفكيك هذا السحر، ولا أريد ذلك اصلاً. بعض الناس يهاجرون في كل شيء، لكنهم لا ينسون رائحة الخبز المحلي الذي ترعرعوا على رائحته. يتعلمون لغات وينسون أخرى، لكنني لا استطيع ان انسى لغتي. انا مسجون فيها إلى الحد الذي يصبح كل ما عداها باطل ومجرد لعب. حين اكتب بالأنكليزية اشعر كما لو أنني اقود سيارة سريعة، اريد ان افتن الآخرين بقدرتي على اللعب بالصياغات. هذا مع انني اقل معرفة بالإنكليزية مني بالعربية. لكنني حين اكتب بالعربية اصبح اسيراً لتلقائيتي، امارسها كما امارس التنفس تماماً، وهي ليست جسماً غريباً عن جسمي يجدر بي ان انتبه له. العربية بالنسبة لي تشبه العيش في صمت الأعضاء. اللغات الأخرى تشبه الألم الناتج عن مرض خفيف، احب اختبارها طبعاً لكنها تبقى دائماً عارضة وسيارة.