حين مرّت على بيتنا طائرة | قصائد لمحمد حسين جبري
23-04-02
محمّد حسين جبري

لماذا تُحاولُ أن تستفيق؟

 

لماذا تحاولُ أن تستفيقْ ؟

لماذا تفكِّرُ بالكائناتِ

وتضربُ رأسَكَ تسألُ نفسَكَ أينَ الطريقْ ؟

تخُطّ على الأرضِ وجهًا قديمًا

تمدُّ يديكَ إليهِ قليلًا

فتمسحُ بعضًا وتتركُ بعضًا

ويشربُ ظلَّكَ رملٌ عتيقْ

تجوبُ الصحارى بخطوٍ خفيفٍ

كأنكَ ريحٌ

كأنكَ صمتٌ

ووقتٌ غريقْ

تطلُّ بلا هيأةٍ في الظلامِ

سماؤك شكٌّ

وحزنك ربٌّ وراءَ الغمامِ

أتسعى لتصبح ظلًّا إليكْ ؟

وتحملُ موتَكَ بينَ الشظايا وقصفِ السماءِ كطفلٍ يتيمٍ على راحتيكْ

إلى أين تمضي بهذا الخرابِ

بعيدًا بعيدا

تصلَّبَ قلبُكَ حتّى غدوتَ حطامًا عنيدا

إلى أينَ تمضي وأنتَ المُضاعُ وأنتَ الطريقْ

لماذا تحاولُ أنْ تستفيقْ؟

وتضربُ رأسَكَ تسألُ نفسَكَ

أينَ الطريقْ؟

وأنتَ الطريقْ !

 

ريشةٌ في الهواء

 

قبلَ أنْ أُشبهَ الأرضَ في رملِهَا

وأعيدَ البلادَ التي خُطِفَتْ من وراءِ الزَّمانِ إلى أهلِهَا

كنتُ رغبةَ طيرٍ بلا شَجَرَةْ

كنتُ أنوي التّجلي كنارِ الأساطيرِ في مَوقدِ السَّحَرَةْ

كنتُ أحلُمُ أنْ تطفحَ البئرُ بالوحيِ والمُعجزاتْ

التي راودتني بمَاءِ الفراتْ

 حينَ غنَّيتُ للموجةِ العابِرَةْ

التي لم تنمْ منذُ أنْ فارقتْ ذلكَ السَّمكَ المُنتفَى

حيثُ كانَ الإلهُ الذي في دمِي يشتهي أن يعيدَ الزمانُ خُطاهُ لتلك الطُّفولةِ ثمَّ اختفى

لم أكنْ حينها قادرًا أن أشيرَ إلى نخلةٍ أو غمامٍ يمرُّ على بيتِنا

حيث جُنّت سَماءٌ وحانَ المَعادْ

طائراتُ العدوِّ تدكُّ البلادَ التي أرضَعتنِي العنادْ

بعدَ صمتٍ وموتٍ طويلينِ كانَ الدخانُ الوحيدُ الذي قد نجَا

ثمَّ وحدي سمعتُ الرِّياحَ تقولُ: انقرضْ انقرضْ

حينَ مرَّتْ على بيتِنا طائِرَةْ

لم يكن أيُّ شيءٍ سوى

ريشةٍ في الهواءْ

والدُّخانُ الذي قد نجا حامِلًا جثّتي

في الخَفَاءْ

تارِكًا خلفهُ ما يشاءْ

 

 بعد أن احترقَ الزمان

 

كيفَ آمنتُ بالأرضِ معنًى قديمًا

وبالأمسِ ضوءًا

وتاريخُ هذا الضياعِ الذي أقتفيهِ ظلامٌ كثيفْ

عابرًا كنتُ صوبَ الخيالِ وتحتي جنونُ الخريفْ

أقطعُ العمرَ بالشِّعرِ والصمتِ والدمعِ والأسئلةْ

كم تبقّى من الوقتِ في هذهِ الأرضِ قبلَ الخروجِ المخيفِ بخطوِ السجينِ إلى المِقصلَةْ ؟

إنَّ روحي تسيرُ الهوينا لتلقى نبيَّ البداياتِ خلفَ الجبالِ كوحيٍ يُحبُّ انطفاءَ القُرى

واشتعالَ البساتينِ سنبلةً سنبلةْ

كيفَ آمنتُ بالليلِ كهفًا ألوذُ بهِ سورةً ثم أتلو من الحزنِ ما أشتهي

كيفَ آمنتُ بالعمرِ طيفًا سيبقى

وقد شاخَ فيَّ الزمانُ وقُربِي

المويجاتُ كانت عذراى وكانَ النخيلُ يخافُ السحابَ فنادى الظلامَ ليُخفِي دموعَ الضفافْ

عندما فاضَ بحرُ

المساءِ الوجوهَ الغريقةَ فوقَ التماعِ النجومِ على جسمِهِ

كنتُ قاربَ يأسٍ يموجُ بهِ الليلُ حلمًا غريقًا خفيفَ الصدى في رؤى نومِهِ

كلّما كنتُ أروي الحكايا إليهِ يغنّي

شاربًا كأسَ كلِّ الطيورِ التي غادرتْ قُربَ فجرِ الحقيقةِ من حلمِهِ

كلَّما هيأتْ نفسَها الذكرياتُ لتصحو رمادًا تقولُ السماءُ لنسيانِها الأبيضِ الآن حانَ انطفاءُ المواعيدِ بالمطرِ المُشتَهى

حيثُ ذاك الزمانُ انتهى

لم يعدْ القميصُ الذي أرتديهِ سبيلَ النجاةِ لأغوي بهِ في الصحاري الذئابا

عندما تبلُغُ الريحُ في خطوهِا تستفيقُ الرمالُ سؤالًا قديمًا وتدنو إليَّ الأساطيرُ والمعجزاتُ سَرابًا سَرابا

كم رأيتُ النهاياتِ وجهًا أناديهِ في الظُّلمةِ الباردةْ

والبداياتِ أشهى الخساراتِ للعزلةِ الصامدةْ

حيث أرضُ الحنينِ البعيدِ أرى قريةً

ألمحُ الأمسَ كوخًا من الضوءِ والأقحوانْ

خَلْفَهُ يجلسُ الموتُ ظلًّا يُجيدُ الغناءَ الأخيرَ على آلةِ الوقتِ

والقشِّ قبلَ احتراقِ الزمانْ

حينَها كنتُ وحدي ورأسي رمادٌ أضلَّ السكونَ وقلبي صبيٌّ يُمنِّي رؤاهُ الغيابَ فغَابا

مُذ ألفتُ الوجودَ اغترابا

تاركًا خلفهُ أغنياتِ النَّدى والعصافيرَ تلهو على ليلِ أغصانِهِ الحالماتْ

لم أعُدْ خائفًا من وجودي هنا في الحياةْ

فالذي كان ماتْ

لم أعُدْ مؤمنًا بالحياةْ

كلّما جاءَ فصلٌ فتحتُ ذراعيْ حَنينِي وطِرتُ بعيدًا بعيدًا وراءَ الجهاتْ